كُنْ فَيَكُونُّ`~

قال الله تبارك وتعالى :((إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ))?( آل عمران : 59-60 ) ، فأخبر سبحانه أن مثل عيسى عنده كمثل آدم في الخلق والتكوين . ووجه المماثلة بينهما : أن كلاهما مخلوق بقوله :? كُنْ فَيَكُونُ ? ؛ إلا أن آدم خلق ? مِنْ تُرَابٍ ? . أي : من غير أب ولا أم . فإذا كان خلق عيسى- عليه السلام- غريبًا عجيبًا ، فإن خلق آدم أغرب وأعجب . وإذا كان الله تعالى قادرًا على خلق الأغرب والأعجب ، وهو آدم  باعتراف اليهود والنصارى معًا وإقرارهم به ، فمن الأولى أن يكون قادرًا على خلق من دونه . فكيف  يستنكِر وجود عيسى من غير أب من يقِرُّ بوجود آدم من غير أب ولا أم ؟

ومن الشبهات التي تُثار حول الآية الكريمة قوله تعالى :? كُنْ فَيَكُونُ ? ؛ إذ كان وجه الكلام يقتضي أن يقال :? كُنْ فَكان ? ؛ لأن قوله تعالى للشيء :? كُنْ ? ، يقتضي أن يكون ذلك الشيء المكوَّن واقعًا في الحال عقِب التكوين ، دون مهلة أو تأخير . وإذا كان كذلك ، فكيف يصح أن يقال :? كُنْ فَيَكُونُ ? ؟

وقد اضطربت أقوال النحاة والمفسرين في الإجابة عن ذلك ، وذهب أكثرهم إلى القول بأن المراد بقوله تعالى :? فَيَكُونُ ? حكاية حال ماضية ، ولا قول هناك حقيقة ؛ وإنما ذلك على سبيل التمثيل ، وكناية عن سرعة الخلق والتمكن من إيجاد ما يريد تعالى إيجاده ؛ إذ المعدوم لا يمكن أن يؤمر ؛ ولهذا قالوا : أصل الكلام :( كُنْ ، فَكَانَ ) . وإنما عبَّر بصيغة المضارع دون صيغة الماضي ، بأن يقال : فَكَانَ ؛ لأن التعبير بالمضارع فيه تصوير وإحضار للصورة الواقعة في الذهن كما وقعت .

وهذا القول مبنيٌّ على أن ? ثُمَّ ? لترتيب الخبر ، وفي ذلك قال البغوي ما نصُّه :« فإن قيل : ما معنى قوله :? خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ? ، ولا تكوين بعد الخلق ؟ قيل : معناه : خلقه ، ثم أخبركم : أني قلت له : كن  فكان ، من غير ترتيب في الخلق ؛ كما يكون في الولادة ، وهو مثل قول الرجل : أعطيتك اليوم درهمًا ، ثم أعطيتك أمس درهمًا . أي : ثم أخبرك أني أعطيتك أمس درهمًا » .

ولكن هذا الذي أجابوا به خلافُ الظاهر ، يأباه نظم الكلام ومعناه ، وبيانه : أن قول الله تعالى للشيء ? كُنْ ? لا يقتضي وقوع ذلك الشيء في الحال ؛ إذ قد يكون الأمر موقوتًا بوقت ، أو يكون متعلقًا بأسباب لا بدَّ أن يقترن حدوثه بها . وهذه الأسباب لا متعلَّق لها بقدرة الله سبحانه ؛ وإنما مُتعلَّقُها بالشيء ذاته الذي دعته القدرة إلى الظهور ، والذي قضت حكمة الله تعالى ألَّا يظهر إلا بعد أن يستكمل أسبابه المقترنة به . وهذا ما يشير إليه قول الله تبارك وتعالى :(( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)) (يس: 82) . وذلك الشيء المراد معلومٌ قبل إيجاده ، وقبل توجيه هذا الخطاب إليه ، وبذلك كان مُقدَّرًا مَقضِيًّا ؛ فإن الله سبحانه يقول ، ويكتب ممَّا يعلمه ما شاء ؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر :« إن الله قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة » . وفي صحيح البخاري ، عن عمران بن حصين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال :« كان الله ، ولم يكن شيء معه ، وكان عرشه على الماء ، وكتب في الذكر كل شيء ، ثم خلق السماوات والأرض » . وفي سنن أبي داود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال :« أول ما خلق الله القلم ، فقال له : اكتب . قال : ما أكتب ؟ قال : ما هو كائن إلى يوم القيامة » .

إلى أمثال ذلك من النصوص التي تبيِّن- كما قال ابن تيمية- أن المخلوق قبل أن يخلَق ، كان مَعلومًا ، مُخْبَرًا عنه ، مَكتوبًا فيه شيء ، باعتبار وجوده العلمي الكلامي الكتابي ، وإن كانت حقيقته التي هي وجوده العيني ليس ثابتًا في الخارج ؛ بل هو عدمٌ مَحضٌ ، ونَفْيٌ صِرفٌ . وإذا كان كذلك ، كان الخطاب مُوَجَّهًا إلى من توجهت إليه الإرادة ، وتعلقت به القدرة ، وخُلِق ، ثم كُوِّن ؛ كما قال تعالى :(( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ))( النحل:40 ) . فالذي يُقال له :? كُنْ ? هو الذي يُرادُ . وهو حين يُرادُ قبل أن يُخلَق له ثُبوتٌ وتَميُّزٌ في العلم والتقدير . ولولا ذلك ، لما تميَّز المُرَادُ المَخلوقُ من غيره .

فثبت بذلك أن الله عز وجل ، إذا أراد أن يْكوِّن شيئًا معلومًا لديه ، توجَّه سبحانه إلى ذلك الشيء بالخطاب بقوله :? كُنْ ? ، ? فَيَكُونُ ? . أي : فيوجد ذلك الشيء المُكَوَّنُ عَقِبَ التكوين ، لا معه في الزمان ، ولا عقبه مباشرة ؛ ولهذا أتى سبحانه بصيغة المضارع مسبوقة بفاء التعقيب . وكونُ الفاء للتعقيب يُوجِبُ أن يكون الثاني عَقِبَ الأول لا معه في الزمان ، خلافًا لما قرَّره علماء التفسير . ويبيِّن لك ذلك أنه لو قيل :( كن ، فكان ) ، لكان الأمر والخلق واحدًا ، ولم يتدرج الخلْق ، ولجمد الكون على ما كان عليه منذ انبثاقه إلى الآن ، بلا توسع وتطور ، ولألغي مفهوم الزمن ؛ بل ولَمَا جاء خلق الإنسان متأخرًا في طريق هذا التكوين الذي يمضي بـ? كُنْ ? ، وما يزال ? َيَكُونُ ? ؛ ولهذا أتى سبحانه وتعالى بصيغة الاستقبال مسبوقة بفاء التعقيب ، وكونها للتعقيب يُوجِبُ أن يكون الثاني عَقِبَ الأول لا معه .

أما ? ثُمَّ ? فهي عاطفة ما بعدها على ما قبلها ، وهو قوله :? خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ? ، وهي لترتيب المُخْبَر عنه ، لا لترتيب الخبَر ؛ لأن المعنى : ابتدأ خلقه بشرًا من جنس التراب ، ثم قال له :? كُنْ ? ، فدل على أن تكوينه بقوله تعالى :? كُنْ ? أرفع رتبة من قوله تعالى :? خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ? الذي هو أسبق في الوجود . والتَّكوين المشار إليه بقوله :? كُنْ ? هو تكوينه على الصفة المقصودة ، بإيجاد الروح فيه ، ونقله من طور البشرية إلى طور الإنسانية ، وما بين الطورين فترة طويلة من الزمن ؛ ولهذا قال تعالى :? فَيَكُونُ ? .

بقي أن تعلم أن ( الفاء ) تفيد التعقيبَ ، والتسبيبَ . فلو قيل :( كن ، فكان ) ، لم تدلَّ الفاء إلا على التسبيب ، وأن القول سببٌ للكون . فلما قال الله عز وجل :? كُنْ فَيَكُونُ ? ، دلَّت الفاء مع التسبيب على استعقاب الكون للأمر . وهذا لا يعني استعقابه في الحال من غير مهلة ؛ لأن بناء المضارع لا يدل بصيغته على الحال ، إذا لم يوجد معه قرينة تقيده به ، وتقصره عليه ؛ وإلا فإنه يدل على الدوام والاستمرار بلا انقطاع ؛ لأنه موضوع لما هو كائن لم ينقطع . وهذا يعني- كما تقدم- أن آدم خُلِقَ بشرًا حيًّا ذا نفس ، ثم صيرته القدرة الربانية الخلاقة إنسانًا عاقلاً واعيًا بنفخ الروح فيه بعد تسويته ، بعد ذلك أمر الله سبحانه الملائكة أن يسجدوا له ، ولم يأمرهم قبل ذلك ، وهذا ما نصَّت عليه الآية الكريمة :(( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ))(ص: 71- 72)

وعلى هذا الذي ذكرناه يكون الترتيب في الآية الكريمة ترتيبًا زمانيًّا ؛ إذ بينَ خلق آدم بشرًا من تراب ، وجعله إنسانًا بتسويته وإيجاد الروح فيه زمن طويل . وبهذا يُعْلَم أنه لو قيل :( كن ، فكان ) ، لفسد معنى الكلام ، واختل نظمه .. والله تعالى أعلم !

محمد إسماعيل عتوك

 


0 رد لحد الآن.

إرسال تعليق